محمد الداوودي
237
طبقات المفسرين ( داودي )
وقرأ بالروايات على أبي عبد اللّه محمد بن محمد بن حسن بن سلمة وغيره ، وسمع من الوادي آشي « الصحيحين » ، ومن الإمام أبي عبد اللّه محمد ابن عبد السلام الهواري « الموطأ » ، وأخذ عنه الفقه والأصول . وتفقه أيضا بأبي عبد اللّه محمد بن هارون ، ومحمد بن حسن الزبيدي ، وأبي عبد اللّه الأيلي ونظرائهم ، وتفرّد بشيخوخة العلم والفتوى في المذهب . وله التصانيف العزيزة ، والفضائل العديدة ، وانتشر علمه شرقا وغربا ، فإليه الرحلة في الفتوى والاشتغال بالعلم والرواية ، حافظا للمذهب ضابطا لقواعده ، إماما في علوم القرآن ، مجيدا في التفسير ، والعربية ، والأصلين ، والفرائض والحساب ، وعلم المنطق ، والمعاني والبيان ، وغير ذلك . وله في ذلك تواليف مفيدة ، تخرج بين يديه جلّة من العلماء الأعلام وقضاة الإسلام ، فعن رأيه تصدر الولايات ، وبإشارته تعين الشهود للشهادات ، ولم يرض لنفسه الدخول في الولايات ، بل اقتصر على الإمامة والخطابة بجامع الزيتونة ، وانقطع للاشتغال بالعلم والتصدّر لتجويد القراءات . اجتمع على اعتقاده ومحبته الخاصة والعامة ، ذا دين متين ، وعقل رصين ، وحسن إخاء وبشاشة وجه للطلاب ، صائم الدهر ، لا يفتر عن ذكر اللّه وتلاوة القرآن إلا في أوقات الاشتغال ، منقبضا عن مداخلة السلاطين ، لا يرى إلا في الجامع أو في حلقة التدريس ، لا يغشى سوقا ولا مجتمعا ، ولا مجلس حاكم إلا أن يستدعيه السلطان في الأمور الدينية ، كهفا للواردين عليه من أقطار البلاد ، يبالغ في برهم والإحسان إليهم وقضاء حوائجهم . وقد خوله اللّه من رئاسة الدين والدنيا ما لم يجتمع لغيره في بلده ، له أوقاف جزيلة في وجوه البرّ وفكاك الأسرى ، رأسا في العبادة والزهد والورع ، ومناقبة عديدة وفضائله كثيرة .